فخر الدين الرازي

67

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

المسألة الثانية : إذا كان الإيمان بما سوى اللّه كفرا به ، فيكون كل من آمن بالباطل فقد كفر باللّه ، فهل لهذا العطف فائدة غير التأكيد الذي هو في قول القائل قم ولا تقعد وأقرب مني ولا تبعد ؟ نقول نعم فيه فائدة غيرها ، وهو أنه ذكر الثاني لبيان قبح الأول كقول القائل أتقول بالباطل وتترك الحق لبيان أن القول باطل قبيح . المسألة الثالثة : هل يتناول هذا أهل الكتاب أي هل هم آمنوا بالباطل وكفروا باللّه ؟ نقول نعم ، لأنهم لما صح عندهم أن معجزة النبي من عند اللّه وقطعوا بها وعاندوا وقالوا إنها من عند غير اللّه ، يكون كمن رأى شخصا يرمي حجارة ، فقال إن رامي الحجارة زيد يقطع بأنه قائل بأن هذا الشخص زيد حتى لو سئل عن عين ذلك الشخص وقيل له من هذا الرجل يقول زيد ، فكذلك هم لما قطعوا بأن مظهر المعجزة هو اللّه وقالوا بأن محمدا مظهر هذا يلزمهم أن يقولوا محمد هو اللّه تعالى فيكون إيمانا بالباطل ، وإذا قالوا بأن من أظهر المعجزة ليس بإله مع أنهم قطعوا بخصوص مظهر المعجزة يكونون قائلين بأن ذلك المخصوص الذي هو اللّه ليس بإله فيكون كفرا به ، وهذا لا يرد علينا فيمن يقول فلعل العبد مخلوق اللّه تعالى أو مخلوق العبد ، فإنه أيضا ينسب فعل اللّه إلى الغير ، كما أن المعجزة فعل اللّه وهم نسبوها إلى غيره لأن هذا القائل جهل النسبة ، كمن يرى حجارة رميت ولم ير عين راميها ، فيظن أن راميها زيد فيقول زيد هو رامي هذه الحجارة ، ثم إذا رأى راميها بعينه ويكون غير زيد لا يقطع بأن يقول هو زيد ، وأما إذا رأى عينه ورميه للحجارة وقال رامي الحجارة زيد ، يقطع بأنه يقول هذا الرجل زيد فظهر الفرق من / حيث إنهم كانوا معاندين عالمين بأن اللّه مظهر تلك المعجزة ، ويقولون بأنها من عند غير اللّه . ثم قوله : هُمُ الْخاسِرُونَ كذلك بأتم وجوه الخسران ، وهذا لأن من يخسر رأس المال ولا تركبه ديون يطالب بها دون من يخسر رأس المال وتركبه تلك الديون ، فهم لما عبدوا غير اللّه أفنوا العمر ولم يحصل لهم في مقابلته شيء ما أصلا من المنافع ، واجتمع عليهم ديون ترك الواجبات يطالبون بها حيث لا طاقة لهم بها . ثم قال تعالى : [ سورة العنكبوت ( 29 ) : آية 53 ] وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَوْ لا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ الْعَذابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 53 ) لما أنذرهم اللّه بالخسران وهو أتم وجوه الإنذار لأن من خسر لا يحصل له في مقابلة قدر الخسران شيء من المنافع وإلا لما كان الخسران ذلك القدر بل دونه ، مثاله إذا خسر واحد من العشرة درهما لا ينبغي أن يكون حصل له في مقابلة الدرهم ما يساوي نصف درهم ، وإلا لا يكون الخسران درهما بل نصف درهم ، فإذن هم لما خسروا أعمارهم لا تحصل لهم منفعة تخفيف عذاب وإلا يكون ذلك القدر من العمر له منفعة فيكون للخاسر عذاب أليم ، فقوله : وَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ تهديد عظيم فقالوا إن كان علينا عذاب فأتنا به ، إظهارا لقطعهم بعدم العذاب ، ثم إنه أجاب بأن العذاب لا يأتيكم بسؤالكم ولا يعجل باستعجالكم ، لأنه أجله اللّه لحكمة ورحمة فلكونه حكيما لا يكون متغيرا منقلبا ، ولكونه رحيما لا يكون غضوبا منزعجا ، ولولا ذلك الأجل المسمى الذي اقتضته حكمته وارتضته رحمته لما كان له رحمة وحكمة ، فيكون غضوبا منقلبا فيتأثر باستعجالكم ويتغير من سؤالكم فيعجل وليس كذلك فلا يأتيكم بالعذاب وأنتم تسألونه ولا يدفع عنكم بالعذاب حين تستعيذون به منه ، كما قال تعالى : كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها [ الحج : 22 ] . ثم قال تعالى : وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً اختلف المفسرون فيه ، فقال بعضهم ليأتينهم العذاب بغتة ، لأن العذاب